لا مكان للعبث في أعمالي الكاريكاتيرية
تري أن الفكرة هي
الأساس في الكاريكاتير.. جمانة سليمان ل الراية الأسبوعية :
بعض فناني الكاريكاتير
حولوه إلي مزحة أو نكتة ساذجة
خالد الأحمد
جمانة سليمان فنانة كاريكاتير سورية اختارت لنفسها
هذا الفضاء الإبداعي منذ سنوات رغم قلة من يمارسن هذا الفن،
ليس في سورية فحسب بل في الوطن العربي كذلك، تمتاز رسوماتها
بالتلقائية والبساطة وسلاسة الفكرة وبقوة خطوطها وشخوصها
المنتزعة من قاع المجتمع، ولأن الكاريكاتير هو فن المبالغة في
تصوير الواقع تسعي جمانة لقراءة مفردات هذا الواقع وتصوير
صراعاته وفضح تناقضاته الصارخة بوعي فني خارج دائرة المجانية
التي تطغي علي الكثير من تجارب الكاريكاتير في الوطن العربي.
حول بدايات تجربتها الفنية والمراحل التي مرت بها
بدأت جمانة سليمان حديثها في هذا الحوار مع الراية الأسبوعية :
لاشك أن الموهبة تولد مع الإنسان ومع مرور الزمن
يكتشف هذه الموهبة ويحافظ عليها ويصقلها كالجوهرة التي يتباهي
بها ويوليها مكانتها الخاصة في حياته وخسارة الموهبة في حياة
الإنسان هبة إلهية لا تُعوض فإما تقوده للنجاح إن استعملها
بشكلها الصحيح أو إلي الفشل في حال لم يستعملها أبداً، وأنسب
هذا الكلام لحياتي الفنية فلم تكن الأمور ميسرة بل تخللتها
كثير من الصعوبات والمواجهات وفي أحيان كثيرة كنت أرغب بالتوقف
عند أي مرحلة أصل إليها، لكن دوافعي الخاصة كانت تجعلني أثابر
أكثر علي العمل إلي أن وصلت إلي ما أنا عليه الآن.
كيف تولد اللوحة بين يديك أو كيف تُخلق الفكرة
لديك؟
- الأفكار ليست شيئاً ملموساً نجدها متي أردنا،
ولكن تكون نابعة من الداخل وهي مزيج من المشاعر والتساؤلات
والمواقف والآراء فتتجسد الفكرة من هذا المزيج وتتبلور لتشكل
مرآة تعكس الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهموم
الناس بطابع هزلي طريف وهي ليست طروحات علي الورق تزين صفحات
المجلات والصحف، بل تمثل الواقع الذي نعيشه بسلبياته
وإيجابياته وهي قد تكون مرتبطة بالنص المقروء أو مستقلة عنه،
وإذا عدت بنفسي للبدايات أقول بأن أفكاري لم تكن سوي تأثر
بالواقع والتجارب والعقبات التي مررت بها فهي جزء من معاناتي
في حال وقعت في المشاكل أو المطبات فأواسي نفسي بالرسم عليّ
أخفف من حدتّها بتوجيه رسالة غير مباشرة لمن أساء لي كالنقد
اللاذع بطريقة ساخرة.
فن الفئات المهمّشة
تتعمدين حشد شخوص كثيرة في أعمالك، ونادراً ما نجد
شخصاً مفرداً في هذه الأعمال، ما تفسير هذا الأمر بالنسبة لك؟
- العمل المتكامل هو العمل الناجح وتواجد أكثر من
شخصية يجعل من الرسم موضوعاً ضخماً برأيي فلا ينظر إليه
القاريء بلمحة واحدة ويعجب به، بل يصبح موضوع نقاش وحوار
مُتَناقَلاً من شخصية إلي أخري، وهو بالخلاصة نكتة ولذلك كل
شخصية تعبر عن نفسها، فهي تمثل فئة من الناس تحاول الحصول علي
مبتغاها بطريقة تثير الانتباه، والكاريكاتير مأخوذ من الناس
ومرسل إليهم. انتقاداً لأفعالهم وميولهم وهمومهم غير آبه
بالنتائج، وتسليط الضوء علي الفئات المهمشة من عامة الشعب يبين
بساطتهم وعفويتهم في الحياة من خلال الرسوم الاجتماعية المحببة
للبعض علّها تكون المنفذ لحل مشاكلهم باستعطاف الغير من
المسؤولين أو إثارة مشاعرهم، والاصطدام والاحتكاك بهذه الفئات
ساعدني علي معرفتهم عن قرب أكثر ورصد معاناتهم وترجمتها
بأسلوبي الخاص الطريف في لوحات، كاريكاتيرية خفيفة لا تسيء لهم
وإنما يبيّن حالاتهم، المختلفة.
كشف الواقع
ما هي حدود العبث والسخرية من جهة والجدية من جهة
أخري في أعمالك؟
- لا مكان للعبث في أعمالي.. لاحظ أن هناك فرقاً
شاسعاً مانعاً بين العبث والسخرية. الكاريكاتير هو أحد الفنون
الجدية الصريحة تم تحويله علي أيدي بعض الفنانين إلي مزحة أو
نكتة ساذجة في كثير من الأحيان تثير القهقهة الفارغة وتثير
النسيان بعد قليل، إنه الكاريكاتير الذي يعني في جوانب من
تعريفه المبالغة في تصوير الواقع.. كما هو ، والفكرة فيه هي
الأساس، تكون كاريكاتيرية أو لا تكون، الفكرة يجب أن تُناقش،
أما الأسلوب فهو الذي يجب أن يخدم هذا المفهوم، والفنان حينما
يُخرج الفكرة من الواقع ويضعها في رسمة كاريكاتير، يسعي من
خلال ذلك إلي فضح الواقع والأسلوب الذي يختاره يساعده علي ذلك
وعلي قدر أمانته في نقل هذا الواقع المضحك أصلا ً يكون قد ساهم
في فضح وكشف ما يستطيع فضحه وكشفه علي أمل تغييره وإعادته إلي
وضعه الصحيح.
يُقال أن الكاريكاتير هو فن رجالي بامتياز، ما
تعليقك كفنانة أنثي علي هذا الرأي؟
- فن رجالي...! ربما لأنه يحتاج إلي الجرأة والقدرة
علي المواجهة لكنه في النهاية هو أسلوب، ولكل شخص أسلوبه
المعين والخاص به، فأسلوب المرأة في الإقناع ربما لا يختلف عن
أسلوب الرجل ولكن كثيرات هن النساء اللواتي وازت أعمالهن أعمال
رجال كبار وربما تفوقن عليهم، فلا فرق بين رجل وامرأة في فن
الكاريكاتير ولكن النتيجة هي الأهم والعرض واحد لا يميزه سوي
الأسلوب.
المرأة والكاريكاتير
ما الذي يعنيه لك فن الكاريكاتير الساخر كأنثي
وفنانة؟
- ما يعنيه لي هذا الفن هو توفير جو من المنافسة
والتحدي، والمتلقي يحكم في النهاية ويبقي عملي هو عرض للأحداث
بطريقة هزلية لا تمس شخصيتي كأنثي، لكن إذا تعمقنا أكثر في
الواقع نلاحظ أن المرأة تمثل كل شيء في هذا المجتمع ولا غني
عنها فهي جنباً إلي جنب مع الرجل، حتي أنها تحتل الجزء الأكبر
من المجتمع من خلال محاولاتها إثبات شخصيتها وقدرتها علي العمل
الجاد وتحديّها للمصاعب، فالمرأة تملك العاطفة، والغرائز
النبيلة، والإحساس المرهف، والقسوة والقوة والجبروت والتحدي في
حال واجهتها مصاعب تثير حميتها وعزيمتها، وأعتز بنفسي عندما
أقول هذا الكلام لأني أنساب مع أي موقف أصادفه ويحتاج مني
لإحساس ما أو رد فعل ما.
يلاحظ أنك تستبعدين التعليق علي اللوحة فهل تعتقدين
أن التعليق يمكن أن يكون عبئاً علي العمل؟
- ليس عبئاً أو هماً وإنما تقليل من قيمة الأسلوب
الفني في إيضاح الفكرة بشكلها الهزلي، ولكن العديد من فناني
الكاريكاتير الكبار من اتخذ الحوار الناقد في رسومهم بشرط أن
يكون الرسم موازيا ً للحوار أو أقوي منه حتي لا يشكل الكلام
المنسوب أية أهمية وحتي لا يُضْعف من حس الفنان تجاه الأحداث
ونقدها ويحوّل رسومه إلي كاريكاتير مقروء علي المشاهد تخيله.
كيف تبحثين عن التميز في زمن يرسم فيه الكثيرون،
وأين تجدين نفسك في زحمة التجارب والتنويعات الفنية؟
- هنا تكمن المنافسة والتحدي والجرأة في عرض
الأحداث بقوة من خلال قولبتها بقالب فكاهي ناقد وساخر يعالج
الوضع بطريقة غير مباشرة، وبما أن فن الكاريكاتير العربي أصبح
بصورة متراكمة، والأفكار متقاربة تبقي المعاناة واحدة والمشاكل
العربية نفسها والحلول نادرة.
ثنائيات متضادة
يلاحظ أنك تلجئين بعض الأحيان إلي اللون.. كيف
تفسرين هذا اللجوء وما هي مبرراته علي مستوي التكنيك الفني؟
- أنا أري أن تشابك الخطوط السوداء وتدرجها كاف
لإظهار عمق الرسم وإبراز جماليته، ولاشك أن اللون هو من
متطلبات هذا العصر الذي نعيشه، له جمالياته الخاصة في الإيضاح
تبعد الرسام عن فن الكتابة أو أية عبارات أو كلمات مضافة
لتحديد هوية الرسم، وليست كل المواضيع تحتاج لإضافات لونية
لتبينها لأن اللون قد يخفي معالم الرسم بعض الأحيان، فلا تعد
واضحة وقد تُبرز الألوانُ التفاصيلَ الدقيقة فتحول الهزل
المأساوي إلي هزل عادي غير مؤثر، وقد تشتت بذلك نظرة القاريء
عن الموضوع وتشوش تفكيره.
ولكن البعض يري أن اللون قد يسيء إلي فضاء اللوحة
الكاريكاتيرية في أحيان كثيرة ويحولها إلي ما يشبه رسوم
الأطفال فهل أنت مع هذا الرأي؟
- اللون لا يسيء بشكل مطلق للرسم ولكن لابد منه في
بعض الأحيان وحسب رغبة المشاهد فربما تكون نسبة 75% ممن يرغب
بمتابعة الكاريكاتير بشكله البدائي أي بالأسود والأبيض وهو
الأنسب دائماً لأن الحياة بحد ذاتها تتمثل في ثنائيات متضادة..
الضوء والعتمة.. الخير والشر.. اليأس والأمل.. إلخ.
أما أن يكون الكاريكاتير الملون قريباً من رسوم
الأطفال كما تقول فهذا يتبع أسلوب الرسام ومدي تأثره بالموضوع
المرسوم، وربما كان مقبولاً من بعض الأطفال. وفي النهاية
فالناس هم الحكم.
المصدر: جريدة الراية - قطر , 4 اب (8) 2007
http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=273180&version=1&template_id=93&parent_id=42