بسامير
هموم عامة بريشة خاصة!
علي
مندلاوي
في"غماس"ولد. وغماس لمن لا يعرفها ناحية من نواحي
محافظة"الديوانية"في جنوب العراق،
وفي غماس وضع الصغير عبدالرحيم(1951) لمساته
الاولى على بياض الورق، وفيها غمس
ريشته في طست الالوان، وغامر برسم أشكال لم
يعهدها معلموه في طفل بعمره.
عندما أصبح في العاشرة انتقلت
عائلته الى"كربلاء"، فغرف مما
أتاحته المدينة من مباهج بصرية، وصور المعرفة الاخرى،
وبشكل خاص الكتب والمجلات الخاصة
بالاطفال، فأكثر من الرسم والقراءة، ولكثرة
انغماسه في مطالعة الكتب تعرض الى
توبيخ والده، الذي خشي على عيني ولده البكر من
التأثيرات الضارة لقرءاته الكثيرة
والمطولة!
في الخامسة عشرة
من عمره أرسل الفتى عبد الرحيم رسما
كاريكاتوريا يهجو فيه أميركا الى مجلة(المتفرج)
البغدادية الفكاهية الساخرة، وكم
كانت دهشته كبيرة عندما وجد المجلة في الاسواق،
وعلى غلافها الأول لوحته!
بغداد كانت المحطة الثالثة للفتى
الرسام القادم اليها بموهبته ،
فمعهدها الشهير للفنون كان محط أنظار كل هواة الفنون
وسحرته من فتية العراق.
اجتاز عبد الرحيم امتحان القبول
الذي
كان لوحده اعتراف من العيار الثقيل بموهبة
واعدة!
بدأ عبد
الرحيم دراسته في المعهد وعيناه
تدوران في كل الاتجاهات، فعشقه للرسوم الكرتونية
التي فتح عينيه عليها في المجلات
التي كان يدمن على مطالعتها، ويحسن رسم ما يماثل
رسومها وشخصياتها في طفولته كانت
تجذبه الى مناطقها، ومتابعته وممارسته للرسوم
الكاريكاتورية كانت تشده كنيزك الى
فلك مجرتها المجهولة النائية، وأخيرا شغفه برسم
الاشكال الواقعية من محيطه في
كربلاء، ولاحقا في بغداد، وتأثير رسوم كبار فناني عصر
النهضة الاوربية، وعدد من فناني
عصرنا الحديث، تلك التاثيرات كانت تشده بقوة الى
منطقتها ومنطقها وفلسفتها الخاصة،
التي كان يتشبع بافكارها أيضا من دراسته لفلسفة
الجمال في المعهد، ومن دفات الكتب
الفلسفية الأثيرة دون غيرها على
قلبه!
بصدور مجلة"مجلتي"للأطفال في نهاية
العقد الستيني في
بغداد سنحت الفرصة أمام عبد الرحيم لممارسة
عشقه لهذا الشكل الفني من الرسم، وسرعان
ما انضم الى قسمها الفني الذي كان يضم كوكبة متألقة من فنانين
كان جلهم
كحاله من الطلبة النابغين في الرسم.
وكان (المايسترو) طالب
مكي الرسام والمدير الفني يوجه
فريقه الشاب لتحقيق الكمال، الذي كان ينشده فيما
ينشر في المجلة من مغامرات، وقصص
وعلوم وتقنيات حديثة وأشعار وتجارب في الفن
والحياة تلبس كلها ثوب الصورة.
في ذلك المشغل-المرجل-الذي كان
يغلي ويفور بمواهب فنانيه الفريدة،
وطاقاتهم الخلاقة، كان نواة فن الكاريكاتور
يتشكل بخط حداثوي مفارق لكل ما سبق
بنوع قراءته الساخرة والمتفكهة والنقدية،
فتكثفت القراءات المختلفة للفنانين
المشاركين فيه لللأحداث على شكل معرض تاريخي أول
للكاركاتير أقيم على قاعة (أكاديمية
الفنون الجميلة) حيث كان عدد من فرسانه كـ"
مؤيد نعمة"و"ضياء الحجار"و"منصور
البكري"لا يزالون طلبة فيها، مثلما كان رسامنا
"عبد الرحيم ياسر"و"عمار سلمان"
وكاتب المقال يدرسون الفن في(معهد الفنون الجميلة)
كما ان الفنان"رائد نوري"الذي بزغ
نجمه بدون سابق انذار كرسام كاريكاتوري واعد على
صفحات مجلة(ألف باء)يدرس علم النفس
في الجامعة
المستنصرية!
وبعد عامين من ذلك التاريخ أعلن عن
تأسيس أول
جماعة فنية كاريكاتورية في العراق كان عبد
الرحيم من مؤسسيها بمعرض كبير أقيم على
قاعة(المتحف الوطني للفن
الحديث)فعرف كرسام كاريكاتور متألق يضع جمرة فكره الملتهبة
في خطوط سود سريعة سلسة، ومختزلة
يتندر بها على أعقد وأعتى القضايا والمشكلات.
شارك عبد الرحيم في معارض ومهرجانات
محلية وعربية وعالمية
مختصة بفن الكاريكاتور، وحازت رسومه
على الكثير من الاعجاب، وأيضا على جوائز وتقدير
من مختصين دوليين أشاروا الى كونه
أحد أبرز الفنانين الذين يعملون على تكوين ملامح
مدرسة خاصة بهذا الفن في بلاد ما
بين النهرين.
عرف عبد الرحيم
باسلوب متفرد في الرسم يتميز
بطروحات فكرية وفلسفية وانسانية عالية القيمة والتركيز
تلبس ثوب التهكم والسخرية، وتمتهن
النقد بجرعات وتركيز عاليين على موضوعات تشمل
المحيط الانساني الدولي بكل
امتداداته وأبعاده ومتغيراته وقضاياه الانسانية الشائكة
رافعا الذاتي الخاص الى الكلي العام
باسلوب يختزل التفاصيل التي تعيق الرؤية، وتؤثر
على جوهر القضية، ليصل بتركيز
الصورة الى أقصاها باقل ما يمكن من خطوط وألوان، رغم
علو كعبه في استخدام اللون.
ومن رسومه التي يمكن أن تكون
مثالا يختزل تجربته، ويظهر فرادة
توجهه وخصوصية انجازه تصويره لطائرة مقاتلة، وهي
تقصف طائرة ورقية طرف خيطها بيد طفل
لا ينتمي بملامحه الى أمة أو شعب بعينه، في
اشارة لجعله رمزا عالميا للطهر
والجمال والبراءة التي تتعرض يوميا للانتهاك، في
الوقت الذي تمثل الطائرة المغيرة،
التي لم تحمل شارة أو شعارا يدل على هويتها في
اشارة(مقصودة)الى قوى الشر والطغيان
والاستعباد!
وفي مقابلة
مطولة أجرتها مع الفنان
صحيفة"بغداد"أقتطف وجهة نظره في الكاريكاتور، يقول عبد
الرحيم:"ان الكاريكاتير المرسوم
يمتلك أحيانا ما يوازي امكانات الفنون اللفظية في
ايصال الرسائل الفكرية والفلسفية
والادبية بطريقة مميزة وخاصة، ويمتلك أيضا كل ما
يجعله فنا رفيعا في القدرة على
التعبير والتأثير والجذب عدا كونه فنا جديرا
بالمشاهدة قبل وبعد ذلك."
المصدر:
جريدة الصباح الجديد
- العراق
,29 أيار (5) 2008