|
تشيخوف والكاريكاتير
إعداد و ترجمة
د.
ممدوح حمادة
لم
يعرف عن الكاتب الروسي المشهور أنطون تشيخوف أنه مارس الرسم، رغم أن
مادة الرسم في ذلك الزمن كانت تدرس كمادة أساسية لأبناء الطبقات
الميسورة مثلها مثل مادة الموسيقى، ولذلك نرى في إرث معظم الكتاب
لوحات مختلفة تم في معظمها مراعاة قواعد الرسم، ولكننا لا نرى هذه
اللوحات في إرث تشيخوف، ولكن الموهبة التي كان يتمتع بها الكاتب
الساخر والتي صادف وجودها في مرحلة تاريخية عرفت ارتقاء فن
الكاريكاتير وانتشاره الواسع في الصحافة آنذاك دفع بعض الناشرين
لمحاولة استغلال هذه الموهبة في مجال الكاريكاتير، فكانوا يطلبون منه
أن يقترح موضوعات أو يعلق على رسوم كاريكاتيرية.
وكانت هذه الرسوم على الأغلب للوحات الغلاف في المجلات، أو عبارة عن
قصص مصورة داخل المطبوعة.
كان
تشيخوف يقترح الفكرة فيقوم فنان من العاملين في المجلة برسم الفكرة،
أما التعليقات فقد كان تشيخوف يكتب عبارة ما أو نص أدبي أو حتى قصة
ويقوم الفنان بتجسيدها كاريكاتيريا.
وقد
كانت معظم الرسوم تصور المظاهر السلبية التي كانت سائدة في روسيا في
ذلك الوقت، فمجموعة الرسوم التي تحمل عنوان موسم الأعراس المنشورة في
مجلة "المشاهد" العدد (18) عام1881 يصور فيها تشيخوف العادة التي
كانت سائدة وقتها حيث يقوم الرجل بانتقاء الزوجة التي يكون جهاز
عرسها "أدسم" وبالتالي فإن المشاعر والعواطف وهم بناء الأسرة يأتي في
نهاية اهتمامات الرجل، لا يقوم تشيخوف في هذه المجموعة بأكثر من وصف
الشخصيات في العرس، وهذا فقط يشكل تصورا كاملا عن حقيقة الأمور، أما
في وصفه لشخصيات العرس فإنه يقدم صورة عن أمور أخرى على هامش العرس
كالعلاقات الأسرية والاجتماعية السائدة في تلك الحقبة، بدءا من طبيعة
الرجال، خاصة أبناء الطبقة الوسطى أو الميسورة الكسالى البليدين،
الذين يصفهم في مكان آخر ب"ذكور النحل" الذين ينتهزون الفرص للحصول
بشكل طفيلي على الثروة والجاه، ومرورا بحب المظاهر الذي نراه في
استئجار جنرال لحضور الزفاف يضفي بوجوده قيمة على العرس.
حتى
وصولنا إلى الرسم الأخير في السلسلة حيث يوضح تشيخوف في الحوارات
المنسوبة إلى شخصياته مدى الرياء الذي يتمتع به بعض الناس في المجتمع
في ذلك الوقت من "كورت" خبير دوزان الآلات الموسيقية الألماني الذي
يمتدح روسيا واللغة الروسية إلى "نيقولاي ستاماتيش" الذي يحب استخدام
المصطلحات الرنانة والكلمات الأجنبية التي يقصد منها إظهار المعرفة
مثل "مترولوز" الهوى ورقصة "البولينيز" إلى العريس الكذاب الذي لا
يشعر بشيء مما يقوله.
وقد
قام الأخوان تشيخوف بتنفيذ هذه السلسلة بعد رحلة قاموا بها إلى إحدى
المناطق الروسية وتواجدوا صدفة في أحد الأعراس هناك عام 1881.
استخدم تشيخوف في هذه السلسلة أسماء حقيقية من بين الحضور في ذلك
العرس فيمتروفان يغوريفيتش هو (ميتروفان يغوريفيتش تشيخوف) أحد أعمام
أنطون تشيخوف ويرد ذكره في قائمة الحساب دون ذكر كنيته (تشيخوف)
حيث يقوم الشرطي بإخراجه من المنزل في حالة سكر ويتلقى مقابل ذلك –
حسب السلسلة- 25 كوبيك، أما "نيكولاي ستاماتيتش" فهو سمسار في
تلك المنطقة ومن معارف آل تشيخوف وهنا المفارقة التي تأتي في كلماته
الشاعرية حول "نشيد الحب على إيقاع رقصة البولينيز ولظى مترولوز
الهوى" التي تتناقض تماما مع عمله كسمسار إضافة إلى أنها صياغة غير
معقولة وغير متجانسة لغويا.
أما
التعليق المرفق مع رسم "إلى اليعاسيب لأخذ العلم" المنشور على غلاف
العدد 13 من مجلة شظايا في 26 آذار 1883 فقد أرسل إلى المجلة كنص
أدبي ولم يكن مخصصا لينشر كتعليق على رسم إلا أن "ليكين" رئيس تحرير
مجلة "شظايا" قام بتكليف الرسام "بورفيرييف" بتنفيذ رسم يلائم
الموضوع وهذا ما كان وبالتالي فقد حذف من النص الأدبي القسم الذي
يقدم وصفا للموضوع وأبقي على الحوار، وفي هذا النص التعليق يصور
تشيخوف حالة الترهل والخمول التي كان يعيشها أبناء الطبقة
الأرستقراطية في روسيا آنذاك.
أما
رسم "الإضاءة في القطارات" المنشور في "شظايا" العدد 5 في 29كانون
الثاني 1883 فلا يتعدى الموضوع حالة القطارات في ذلك الوقت لدرجة
أنه بسبب الظلمة فإن المفتش يتشبث بمعطف أحد الركاب المعلق على
الجدار ويطلب منه البطاقة ولا يستطيع تمييز الركاب.
و
في رسم "من عالم المسرح" ورسم " في السهرة" المنشورين في مجلة
"شظايا" العدد 6 في 5 شباط 1883 يتحدث تشيخوف عن عالم المسرح، من جهة
عملية البحث عن العمل ومن جهة أخرى التعامل بين رواد المسرح وأهمية
المناصب والألقاب في فرض طريقة التعامل بين الناس، حيث يتطلب الأمر
لباقة بالغة عندما يكون التعامل مع شخص يعتقد أنه"عطوفة" ثم يتحول
إلى حديث فج عندما يتبين أن الشخص ليس"عطوفة".
أما
رسم " على القمر" فله قصة طريفة حيث أن تشيخوف كان قد جهز فكرته في
كانون الثاني عام 1883، وأرسله إلى مجلة "شظايا" بمناسبة الحريق الذي
شب في السيرك في مدينة بيرديتشييف في الأول من الشهر نفسه، وقد قرر
رئيس التحرير نشره في العدد الذي يحضر للنشر و أرسل لتشيخوف في
العشرين من الشهر نفسه قائلا: (الموضوع بخصوص الحريق في السيرك في
بيردتشييف سأنشره في العدد رقم 5 من المجلة) ولكنه في الثالث من شباط
أعاد النص لتشيخوف وأرفقه برسالة قال فيها: (فناني المجلة لم يتمكنوا
من تنفيذ الرسم، بورفيرييف حاول فعل ذلك ولكنه أفسد الرسم، ولذلك فإن
الرسم عن هذا الموضوع قد أصبح متأخرا)وفي 8 شباط في رسالة أخرى (
سأعطي بورفيرييف موضوعكم عن الفلكيين القمريين لكي ينفذه، ولكن ألا
تعتقد معي أن نشره عن الحريق الذي شب في السيرك أصبح متأخرا؟ أقترح
أن نحتفظ بالرسم حتى يشب حريق آخر، ولا أعتقد أن الأمر سيطول،
فالحرائق عندنا كثيرة) وبالفعل فقد تم نشر الرسم في العدد 25 في 22
حزيران عام 1885 بعد أن شب حريق ضخم في مدينة غرودنو حيث قام رئيس
التحرير بنشره بعد أن استبدل اسم بيرديتشييف باسم غرودنو، ويصور
الرسم والتعليق حالة اللامبالاة التي كانت تسود أثناء الكوارث الكبرى
آنذاك.
وفي
رسم " أحلام شاعرية" المنشور في العدد 8 19 شباط 1883 يتناول تشيخوف
مفارقة لحالة غير طبيعية حيث يفكر الرجل بالزواج من امرأة ثرية لكي
يتمكن بثروتها من إسعاد امرأة أخرى يحبها.
وفي
رسومه الثلاثة التالية المنشورة تحت عنوان "ثلاثة رسوم" المنشورة في
العدد 8 أيضا من مجلة "شظايا" يعالج تشيخوف قضايا اجتماعية سائدة في
ذلك الوقت ففي الرسم الأول يصور لنا امرأة تعتد بجمالها وتستغرب
لماذا يضحك البوابون منها معتبرين أن لا هيئة لها، أما في الرسم
الثاني فنشاهد امرأة تحاول إغراء رجل ما ربما لغاية ما، وفي الرسم
الثالث يصور فرحة المرأة بالزواج لدرجة أنها لا تعترف بكنيتها
السابقة التي كانت تحملها قبل الزواج.
أما
سلسلة" في حضرة العلم " المنشورة في العدد العاشر من مجلة "شظايا" في
5 آذار 1883 والتي تعتبر واحدة من السلاسل التي قدمها تشيخوف تحت
إلحاح رئيس تحرير المجلة مثل "ثلاثة رسوم" و " في عالم المسرح اللتين
تحدثنا عنهما، فيقدم تشيخوف مجموعة من الأفكار الفكاهية التي تتلاءم
مع تلك الفترة، ففي الرسم الأول يصور ببساطة انشغال العالم عن زوجته
لدرجة أنه ينساها نهائيا وينسى واجباته الزوجية نحوها، وفي الرسم
الثاني يصور حالة العلماء المادية ونظرة أبنائهم لهم بسبب ذلك، حيث
يزدري الأبناء آباءهم العلماء لأنهم لا يوفرون وضعا ماديا جيدا
بدلا من اهتمامهم بالعلم، وفي الرسم الثالث يتطرق لحالة الهوس
التي ترافق بعض العلماء، وكذلك في الرسم الرابع حيث يشاهد عالم
التشريح الأشخاص العراة في الحمام وكأنهم جثث في المشرحة عنده بينما
يراهم معلم الرسم في الجامعة موديلات للرسم، وكذلك يمكن القول عن
الرسم السادس حيث أن الهم الوحيد للعالم من استدراج الفتاة وجعلها
تسكر حتى الثمالة لم يكن قضايا لها علاقة بالرجل والمرأة وإنما لكي
يتمكن من أخذ قياسات جمجمتها لأغراض علمية، أما في الرسم الخامس
فيتحدث تشيخوف عن شخص بعينه وهو البروفيسور والعالم المعروف "غروبير"
مدرس مادة التشريح في أكاديمية بطرسبورغ للجراحة الطبية والذي اتصف
بحزمه وإصراره على الممارسة العملية للطالب لكي يفهم المادة، وفي هذا
الرسم يقوم تشيخوف باللعب على الكلمات حين يقول (حصل على اثنين من
التشريح) فالمعروف أن الإنسان يحصل على (اثنين في المادة) وهذا يعني
حسب نظام الامتحانات الروسي أنه رسب أما حين يقول أنه حصل على اثنين
(من التشريح) فهذا يعني أنه حصل على شخصين من التشريح، وما يمكن فهمه
من هذا الرسم هو أن البروفيسور المذكور أرسل لطالبه الذي هو زوج
السيدة المغمى عليها جثتين لكي يدرسهما في البيت.
وفي
رسمه "امرأة كلاسيكية" المنشور في العدد 11 من مجلة "شظايا" في 12
آذار 1883 الذي ورد حسب تشيخوف (امرأة كلاسيك) أيضا نجد لعبا على
المعاني فمعنى فكلمة (كلاسيك) التي تعني (تقليدي) تعبر دائما عن
المحافظة وعدم التحديث ولكن الكلمة هنا استخدمت بمعناها كمصطلح فني
حيث أن (الكلاسيكية) هنا مقصود بها المرحلة الرومانية والإغريقية
وبالتالي فإن لباس المرأة كان كلاسيكيا من هذا المنطلق وليس من منطلق
التعبير السائد وبهذا انعكس المعنى تماما فالمرأة التقليدية
(الكلاسيكية) يفترض أن تكون محتشمة حسب التعبير السائد، أما المرأة (الكلاسيك)
أي المتشبهة بالمرحلة الكلاسيكية فهي نصف عارية كنساء تلك المرحلة.
أما
رسم "أفقر الفقر" فقد أرسل تشيخوف موضوعه إلى رئيس التحرير في آب
1883 ولكنه نشر في العدد الثامن من المجلة في 25 شباط 1884 ونجد
السبب في ذلك بين سطور رسالة "ليكين" رئيس التحرير إلى تشيخوف التي
تعود إلى آب 1883، حيث يقول فيها: (موضوعكم "أفقر الفقر" أعطيته لـ"ليبيديف"
ليرسمه، وقد رسمه ليبيديف على صفحة كاملة ولكن ليس كما يجب على ما
أعتقد، سأترك رسم "أفقر الفقر" كرسم احتياطي، فبما أنه رسم لا غبار
عليه رقابيا وليس له طابع موسمي فإنني سأحتفظ به لكافة الاحتمالات،
وإذا انحطت الرقابة ومنعت لنا رسما ما، له طابع فكري على الغلاف أقوم
بنشره بدلا من الرسم الممنوع، وبهذا الشكل فإن "أفقر الفقر" ساعتها
يكون قد أنقذني). ويحتوي هذا الرسم على مفارقة إنسانية بسيطة للغاية
حيث يحلم الشاب الفقير حلم أغنى الأغنياء" جولة حول العالم" ولكن ما
ينقصه هو ما يتوفر لدى أفقر الفقراء " اللباس" بكلام آخر فهو ينقصه
كل شيء.
وفي
رسم "الطبيعة الروسية" المنشور في العدد 39 في 24 أيلول 1883 يستخدم
تشيخوف المفارقات اللغوية كموضوع للتندر حيث يقوم الرجل الألماني
بعملية ترجمة حرفية فيترجم الجمل والكلمات التي تستخدم في اللغة
الروسية حرفيا فتأتي المعاني مثيرة للضحك وهذا بشكل عام ينطبق على كل
اللغات.
وفي
رسم "مارغريتا المعاصرة" المنشور في العدد 3 21 كانون الثاني عام
1884 يستخدم تشيخوف شخصيات من الأسطورة الألمانية وعمل غوته "فاوست"
وفيه إشارة إلى تفشي اللصوصية في تلك الفترة.
وفي
رسم "كم أنت لطيفة اليوم" المنشور في العدد 28 من مجلة"أضواء المسرح
والحياة" في 13 تموز 1914 ضمن الأعمال الموقعة بأسماء مستعارة
للأخوين تشيخوف والمنشور باسم (غ.ل.م.) المقدم - حسب ما ورد في
المجلة - إلى مجلة"شظايا في عام 1884 و الممنوع من قبل الرقابة، علما
أنه لم يعثر على أثر لهذا الرسم سواء في محاضر اجتماعات لجنة الرقابة
لعام 1884 ولا في ملفات مجلة"شظايا" في الأرشيف الحكومي لأعمال
الأدبية، وأغلب الظن أن الرسم في الحقيقة كان مخصصا لمجلة"الظل
والنور" الذي كان يصدر في موسكو. أما في محاضر اجتماعات لجنة الرقابة
في موسكو فيتم الإشارة إلى رسمين تم منعهما في ذلك العام لمجلة
"الظل والنور" بينهما رسم نوه إليه تحت اسم "المرأة مساوية للرجل"
دون ذكر صاحبه، لكن الرسم نفسه لم يعثر عليه في ملفات الرقابة، و سبب
المنع هو "غير لائق للنشر" كما ورد في ملاحظة الرقيب، وأغلب الظن أن
هذا الرسم هو نفسه المنشور في مجلة"أضواء المسرح والحياة" عام 1914.
وفي
رسمه "يوم الثالوث" المنشور في مجلة "ساعة المنبه" في العدد 20 عام
1884 يتحدث تشيخوف عن عادة استمرت في المنطقة المذكورة في الرسم وفي
مناطق أخرى مجاورة من الفترة الوثنية إلى ما بعد اعتناق المسيحية،
وفيه ينوه تشيخوف بسخرية غير لاذعة إلى هذه العادة.
أما
في رسم " حلم الشبان الذهبيين في فترة سحب تشرين الثاني" المنشور في
العدد 47 من مجلة "شظايا" في 24 تشرين الثاني 1884 وفي موضوعة يتحدث
تشيخوف عن عقدة الخدمة الإلزامية لدى الشباب، حيث يتمنى البعض لو أنه
كان مشوها بطريقة ما لكي لا يصلح للخدمة العسكرية، كما هو واضح في
التعليق المرفق بالرسم.
وفي
رسم " التوقيع حسب المنصب أو تغيير توقيع كارامبوليف" المنشور في
العدد 51 من مجلة"شظايا" بتاريخ 22 كانون الأول عام 1884 فيدور
الحديث على ما يبدو عن عملية تغيير التوقيع كلما جرى ترفيع للموظف،
حيث أن المنصب يغير كل شيء في الشخص حتى توقيعه في أوساط الموظفين في
ذلك العصر، وربما يكون للرسم ارتباطات ما لا نعرفها، حيث لم ترافقه
أية معلومات أخرى سوى أن موضوعه من اقتراح تشيخوف.
وفي
رسم "أسعار الأدوية" المنشور في العدد 15 من مجلة "شظايا" في 13
نيسان 1885 فقد قدمه تشيخوف بعد ضغط معنوي من رئيس التحرير، وفيه
يتحدث - كما هو واضح في التعليق – عن ارتفاع أسعار الأدوية.
وفي
سلسلة " سفالة فوق العادة" ويمكن كذلك أن نسميها "قمة السفالة"
المنشورة في "ليتراتورنايا غازيتا" (الجريدة الأدبية) في العدد 26
(28 حزيران 1967) و كانت مخصصة للعدد 16 من مجلة "شظايا" بتاريخ 20
نيسان 1885 وسمحت بها الرقابة مبدئيا ثم حجزت عليها ولم تسمح
بنشرها، و عثر عليها في ملفات الرقابة، كتب "ليكين" رئيس تحرير
"شظايا" لتشيخوف بخصوص هذا الرسم بتاريخ 26 نيسان 1885 قائلا:
(ملحمتكم الرائعة حول الجنرالات والدايات تم تنفيذ الرسوم لها من قبل
الفنان دالكيفيتش ولكن في آخر اقتحام لـ"شظايا" تم منعها من قبل
الرقابة، سأقدم شكوى في الدائرة المركزية لشؤون الصحافة) أما تشيخوف
فأجابه بتاريخ 28 نيسان قائلا ( أسفي على الجنرالات والدايات) ولكن
جهود "ليكين" في الدائرة المركزية لشؤون الصحافة لم تجد نفعا: فكتب
لتشيخوف بتاريخ 19 أيار قائلا : ( تم منع موضوعكم لرسم العسكر
والدايات) ويتحدث تشيخوف في هذه السلسلة عن الانحلال في الجيش، ففي
تلك الفترات دارت نزاعات بين الروس والإنكليز حول مدينة هيرات
الأفغانية وقد لقيت هذه النزاعات انتقادات كبيرة في الصحف الروسية
آنذاك أما في موضوعات الرسوم التي يدور الحديث عنها فيصور تشيخوف
جنرالا روسيا يتباهى بنفسه مستهزئا بالحديث عن البطولات في معارك
هيرات ويبدأ بالحديث عن بطولاته، فيصف في التعليق المرفق مع الصورة
الثانية دخوله إلى مدينة نابليوسك ويصف كيف استقبلهم السكان هناك
ويركز بشكل خاص على النساء، ثم في رسم آخر من السلسلة يتحدث عن
خروجهم من المدينة حيث أصبح عدد سكان المدينة 11 ألفا بعد أن كان
أربعة آلاف عندما دخلوها قبل عامين بمعنى آخر فإن فيلق هذا الجنرال
لم يمارس إلا أعمال الدعارة، وهو ما نراه في صورة أخرى قبل ذلك حيث
نرى الجنود يسرحون ويمرحون مع النساء وهو يؤيد ذلك، أما في الرسمين
الآخرين في هذه السلسلة فيصور تشيخوف سلوك الساسة في روسيا.
وفي
سلسلة موسم القبعات المنشور في العدد 19 من مجلة "شظايا" 11 أيار
1885، نرى تأثير السياسة حتى على لباس الإنسان فعندما ارتدى بطل
القصة القبعة الفريغية تم التنويه له بأن هذه القبعة هي واحد من
شعارات الثورة الفرنسية وبالتالي التنويه أن لديه نزعات ثورية،
وعندما بدلها وارتدى قبعة من القبعات التي يرتديها عامة الشعب تم
التنويه له بأنه ينتمي إلى الحركة الشعبية، وهي حركة معارضة في ذلك
الوقت، وعندما ارتدى قبعة أسطوانية تم التنويه له بأنها موضة قديمة
ولا يرتديها إلا أصحاب التقليعات، وهكذا فإن كل قبعة كانت تملك رمزا،
فظل يبدل حتى قرر ألا يرتدي قبعة في نهاية المطاف فوجه له الشرطي
ملاحظة أنه لا يجوز الخروج بدون قبعة مما دفعه للانتحار، وهذه القصة
تشبه القصة التي تحمل عنوان" إرضاء الناس حاجة لا تدرك" في التراث
العربي، ولكن مع إضفاء صبغة سياسية عليها.
كما
رأينا فإن قسما كبيرا من الرسوم التي علق عليها تشيخوف والموجودة في
هذه المادة نشرت أو كانت معدة للنشر في مجلة "شظايا" التي كان يرأس
تحريرها"ليكين" ويثمن جدا مساهمة تشيخوف في مجلته بهذا الشكل، وكانت
رسائله إلى تشيخوف مليئة بالرجاء لحثه على المساهمة في انتقاء
الموضوعات أو التعليق على الرسوم، ففي رسالة بتاريخ 19/ شباط/
1884مثلا يكتب له قائلا: (أنا عاتب عليكم لأنكم لم ترسلوا لي تعليقات
على الرسوم)، وفي رسالة أخرى بتاريخ 18/ حزيران/ 1884يقول :
(اسمحوا لي أن أذكركم بأنكم لا ترسلون مطلقا، لا موضوعات للرسوم ولا
تعليقات على الرسوم في"شظايا").
معظم التعليقات على الرسوم وموضوعات الرسوم التي اقترحها تشيخوف نشرت
في مرحلة زمنية تبدأ مع بداية عام 1883 وتمتد حتى أيار 1884 حيث يبلغ
عدد هذه الموضوعات والتعليقات أربعة عشر، وبهذا الشكل فإن التعليقات
على مجموعة رسوم(موسم الزواج) العائد إلى تشرين الثاني عام 1881
تفصلها عن مجموعة الرسوم الأخرى المعروفة بالنسبة للقارئ، مدة تصل
إلى أكثر من عام.
بعد
هذه الفترة التي شهدت نشاطا منتظما بشكل أكثر أو أقل من فترة لفترة،
شهد عمل تشيخوف في هذا النوع انقطاعا طويلا، حيث نشر رسمين فقط اقترح
لهما الموضوع في مجلة شظايا في تشرين الثاني وكانون الأول عام 1884
ثم عقب ذلك انقطاعا دام حتى نيسان عام 1885، ثم في أيار عام
1885نشرت آخر مجموعة رسوم من موضوعات تشيخوف، بعض هذه الانقطاعات
يعزى لتدخل الرقابة، حيث كتب له "ليكين" عن عمل الرقابة مثلا رسالة
تعود إلى 11/ نيسان / 1883 يقول فيها ( أما ما يفعلونه بهذه الرسوم،
خاصة الافتتاحية منها، فلا يمكن وصفه بأي شكل أبدا، لا يمر أي شيء
فكري تقريبا).
وقد
كان هناك تأثير للرقابة الداخلية لمحرر"شظايا" أيضا، الذي كان يحذر
من تناول الموضوعات الممنوعة والمخاطرة السياسية. وقد ورد في رسالة
من تشيخوف إلى "ليكين" في 30/أيلول/ 1885 : ( لا يوجد تعليقات في
رأسي مع الأسف، الموضوعات السياسية تكون غير مضجرة وغير جافة فقط
عندما تتطرق لروسيا نفسها ولأخطائها، لماذا لا تريدون استخدام قضية "ميرونوفيتش"
للافتتاحية " أي للغلاف"، لماذا لا نسخر من القضاء والتحقيق؟).
أعمال تشيخوف التي كان "ليكين" يعتبرها ضرورية جدا لمجلته الأسبوعية
المصورة، أخذت تتناقص بالتدريج، وقد كان سبب ذلك طبيعة هذا النوع
الذي يفرض تعاونا مع الفنانين الذين كان تشيخوف في معظم الأحيان غير
راض عن عملهم، يكتب تشيخوف لـ "ليكين" في 22/آذار/1885 قائلا : ( كل
شيء في "شظايا" جيد ولكن القسم الـ<فنّ>ـي يتعرض للنقد حتى في مدارس
الفئات المتوسطة (...) لقد تعود الجمهور الحكم على المجلة كلها من
خلال الرسوم، وهل ما ينشر في"شظايا" رسوم؟ إنها ألوان وأشكال لكن
نماذج حركة ورسوم لا يوجد) أي أن الرسوم لم تكن مناسبة لكي تشكل وحدة
عضوية مع نص أدبي.
كان
من السهل على تشيخوف العمل مع أخيه "نيقولاي" نتيجة خصوصية موهبته،
ولكن البطء في عملية التنفيذ وعدم الثقة بوعوده من قبل تشيخوف جعل
ذلك أمرا غير ممكن تقريبا.
أما
سبب قلة أعماله في مجال اختيار الموضوعات وكتابة النصوص للتعليقات
على الرسوم فقد برره تشيخوف لـ"ليكين" بأشكال مختلفة، ففي رسالة تعود
إلى 25/حزيران/1884 يقول له: (أنا غبي جدا في مجال ابتكار التعليقات
الحادة) وفي رسالة تعود إلى 4/تشرين الثاني/1884 يقول: ( لو كان
ابتكار التعليق أو الموضوع للرسم سهلا كما لو أنك تشعل سيكارة
لأرسلتها لكم بأي شكل من الأشكال، ولكنكم نفسكم تعرفون أن العثور على
عشر موضوعات لقصص أسهل من كتابة تعليق جيد واحد لرسم) وفي رسالة
أخرى تعود لـ 22/آذار/1885 يعبر تشيخوف بحدة أكبر عن عدم تناسب هذا
النوع من النشاط مع توجهاته الإبداعية، حيث يقول ( تبدأ بالتفكير
بتعليق على الرسم فتخرج قصة، أو لا يخرج شيء أبدا) .
وفي
عام 1886 يتوقف تشيخوف عن هذا النوع بشكل نهائي في عمله الإبداعي، و
عندما يرسل بعض الموضوعات أو التعليقات فإنه يشترط ألا تنشر باسمه.
الحديث في هذه المادة يدور عن الرسوم المنشورة في الأعمال الكاملة
لتشيخوف، ولكن من الجدير بالذكر أن هناك مجموعات رسوم أخرى لم تنشر
في الأعمال الكاملة لأنه لم يثبت نسبة التعليقات فيها إلى تشيخوف
بشكل قاطع، مثل سلسلة "أسرتي" المنشورة في مجلة "المشاهد" عام 1883
ومجموعة رسوم "تفكير" لشقيقه نيكولاي تشيخوف المنشورة في "شظايا"
1884 ومجموعات رسوم أخرى.
كما
أن هناك رسوما أخرى تم ذكرها في الرسائل المتبادلة بين رؤساء التحرير
والكاتب ولم يتم العثور أو التعرف عليها.
(عن
الأعمال الكاملة لأنطون تشيخوف – المجلد الثالث – موسكو - 1976 )
النص
المتبوع بحرف م هو للمترجم
|