فن الكاريكاتير وحقوق الإنسان

قيم هذا الموضوع: 
Average: 5 (1 vote)
المصدر: 
جريدة الوقت - البحرين
تاريخ النشر في المصدر: 
الخميس, تشرين اﻷول (أكتوبر) 25, 2007
الكاتب: 
سبيكة النجار

 

لا أحد يشك أن المصريين أصحاب نكتة بل ملوكها. فهم استعملوا النكتة للتعبير عن أفراحهم وأتراحهم، عن انتصاراتهم وهزائمهم. وللنكتة عندهم كما عند الشعوب الأخرى توظيفات عدة، فقد ساهمت في التخفيف من حدة الاحتقان والقهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في أقسى الفترات التي مرت على الشعب والأمة العربية ولعل هزيمة حرب يونيو/ حزيران 1967 أبلغ مثال على ذلك. فقد وظف المصريون النكتة في صحفهم وتداولها الشعب لدرجة أزعجت السلطات آنذاك وتكلم عنها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في إحدى خطبه. كما كتبت البحوث ورسائل الدكتوراه التي تتناول دور النكتة في المجتمع المصري.

وفن الكاريكاتير هو أحد أهم أنواع النكتة وأكثرها بلاغة وتعبيراً. وأمامي الآن تقرير في غاية الطرافة والفائدة في الوقت نفسه أعده الخبير الإعلامي سعيد حافظ ونشره ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان في يناير/ كانون الثاني 2006 تحت عنوان ''الكاريكاتير.. المأساة الضاحكة، حقوق الإنسان في الكاريكاتير المصري''. يذكر التقرير أن الكاريكاتير ليس مجرد نكتة عادية ولكنه أحد أسلحة التغيير والتطهير في المجتمع. وهو إلى جانب ذلك الحيلة التي تجعلك تبلع حبة الدواء بدون مرارة في إشارة واضحة لدور الكاريكاتير في الدفع نحو التعايش مع الواقع من جهة ومحاولة تغييره من جهة أخرى.

يتناول التقرير مضمون رسوم الكاريكاتير من وجهة نظر حقوق الإنسان في ثماني صحف ومجلة (يومية وأسبوعية) هي: الأخبار، الأهرام، الوفد، العربي، الأسبوع، صوت الأمة، الأهالي ومجلة روز اليوسف. ويتناول التقرير كل ما نشر في تلك الصحف في الفترة الواقعة ما بين الأول من مارس/ آذار إلى 31 ديسمبر/ كانون الأول العام .2005 ويهدف التقرير إلى التعرف عن قرب من خلال ما تنشره الصحافة على قضايا ومشكلات حقوق الإنسان في مصر في محاولة للسعي مستقبلاً للدفع باتجاه توسيع وزيادة مساحة النشر عن قضايا حقوق الإنسان والتنمية في مصر. ويذكر أنها ليست المرة الأولى التي يهتم ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان بما ينشر في الصحف، فقد سبق أن نشر تقريرين الأول يتناول مضمون شكاوى المواطنين والآخر يتناول كل ما نشرته الصحف بشأن الجرائم ذات العلاقة بالفقر.

وتأتي أهمية اختيار فن الكاريكاتير نظراً لقدرته الفائقة على تلخيص قضايا المجتمع ومشكلاته في جمل بسيطة تعززها رسوم جذابة لديها القدرة على لفت أنظار المثقفين ومحدودي الثقافة على حد سواء. وهي من وجهة النظر هذه تساهم في رفع مستوى الوعي الشعبي بمشاكل وقضايا المجتمع بما في ذلك القضايا التي تتعلق بمسائل حقوق الإنسان. ومن الناحية السياسية يساهم الكاريكاتير في التحريض على انتقاد الواقع السياسي. وهو على رغم الجرأة التي يتميز بها يمتلك قدرة فائقة على تجاوز الرقابة ويؤكد رسالة الصحافة باعتبارها وسيلة اتصال بين الفرد والمجتمع.

وكلمة ''كاريكاتير'' مأخوذة من الكلمة الإيطالية caorocatare المشتقة بدورها من اللاتينية ''caircate''. وقد عرفها الفراعنة القدماء واستعملوها في معابدهم ومقابرهم. كما استعملها اليونانيون القدماء. وقد ظهرت صحف الكاريكاتير في فرنسا في القرن التاسع عشر ثم تبعتها إنكلترا وأميركا في نهاية القرن. أما في مصر فقد وظف فن الكاريكاتير في مجلة اللطائف وتبعتها مجلة الكشكول العام ,1921 ثم كان لمجلة روز اليوسف أكبر الأثر في تطور رسوم الكاريكاتير في الصحافة المصرية.

يذكر التقرير حادثتين للدلالة على الدور الذي يلعبه فن الكاريكاتير في وجدان الجماهير. الحادثة الأولى العام 1962 عندما قام طلبة الأزهر برشق مبنى جريدة الأهرام بالحجارة احتجاجاً على نشر رسوم لصلاح جاهين ينتقد فيه الشيخ الغزالي. والحادثة الثانية في 8 يونيو/ حزيران 2005 عندما نشرت صحيفة ''المصري اليوم'' في صفحتها الأولى تحت عنوان الأحداث في مصر رسماً يصور امرأة حاملاً وشخصا يقول لصديقة ''ما هو يا ولد يا بنت'' فيرد عليه الآخر ''ليه؟ مش جايز يكون حمل كاذب''. أقلق هذا الرسم السلطات العليا إلى الحد الذي أمرت بتغيير الجملة الأخيرة من الحوار لتكون ''مهما كان الألم المولود الجديد يفرح'' لتعكس بذلك المعنى الذي كان يقصده الرسام.

نعود للتقرير الذي نحن بصدده إذ بلغ إجمالي رسوم الكاريكاتير التي تناولها 2872 رسماً. وجاءت جريدة الأخبار في المرتبة الأولى من حيث عدد الرسوم بواقع 786 رسماً وصحيفة صوت الأمة في المرتبة الأخيرة بواقع 30 رسماً. واقتصر العمل على الرسامين الرجال وغابت المرأة تماماً. وجاء الحق في المشاركة في المرتبة الأولى من حيث اهتمام الرسامين، يليه الحق في الطعام والرعاية الصحية والمسكن، ثم الحق في التعليم، والحق في العمل وأخيراً الحق في بيئة سليمة، ولاحظ التقرير أن كل من الحق في الأرض والحق في المساواة والحق في البيئة جاءت في أدنى سلم اهتمامات الرسامين وإن لم تغب تماماً، بينما غاب تماماً في جميع الصحف كل من حق الأطفال في الحماية من التعسف والاستغلال، وحق الأفراد في اتخاذ الإجراءات الإدارية التي تحمي مصالحهم وتحميهم من الاستغلال وغيرها من الحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية.

ومن الأمور التي تم رصدها فيما يخص الحق في التعليم تركيز الرسوم على مسائل فرعية كالدروس الخصوصية وكلف الدراسة وغيرها، بينما ابتعد تماماً عن جوهر الحق في التعليم بصفته أحد أهم ركائز التنمية، ولم يتطرق إلى دور التعليم في إعداد الفرد للحياة والقدرة على التفكير في المستقبل. وبالمثل تناول الكاريكاتير التلوث البيئي بينما أهمل الحق في الحفاظ على البيئة بكل مكوناتها من التدهور وصيانتها لترثها الأجيال القادمة.

وأخيراً لاحظ التقرير اختلافاً قد يكون بديهياً بين طريقة تناول القضايا في الصحف المعارضة والموالية للسلطة. فبينما وجهت الرسوم في الصحف المعارضة نقداً لاذعاً للسلطة في شكل رسوم مثيرة للضحك ولكنها شديدة القسوة في الوقت نفسه، حاولت صحف الموالاة محاباة السلطة والدفاع عن مواقف الحزب الحاكم بل وأحياناً إلقاء اللوم على المواطنين والأحزاب المعارضة والتهكم على طريقة تعاملهم مع بعض الحقوق كالحق في المشاركة ودعوتهم للإصلاح السياسي.

تلك هي الصحف المصرية فما هو موقف رسوم الكاريكاتير في صحفنا المحلية من القضايا والملفات الساخنة التي أثيرت منذ الإنفتاح السياسي ولم تغلق إلى الآن؟. هل عبرت عن هموم وتطلعات المواطن؟ وما هي القضايا ذات العلاقة بحقوق الإنسان التي تم طرحتها؟ وهل لعبت دوراً في تعزيز الوعي الشعبي بتلك الحقوق؟ أسئلة أطرحها للنقاش والبحث.

 

jordan shoes for sale outlet USA

معرض الصور